الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

127

نفحات الولاية

بِالبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ وَالمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ » « 1 » . ثم ناشدهم عليه السلام اتماماً لحجة وإثبات مدى زهده بمقامات الدنيا ومظاهرها ، تركه ليكون كأحدهم في الامّة : « وإن تركتموني فانا كأحدكم ؛ ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم » . فالعبارة تشير إلى أنّ الإمام عليه السلام كان يعيش عالما أخر غير ذلك الذي تكالب عليه أهل المصالح من الذين ركنوا إلى الدنيا ، هو لم يفكر لحظة قط في أن تكون الخلافة لقمة سائغة ، بقدر ما كان يراها مسؤولية ثقلية تهدف أول ما تهدف إليه إحياء القيم والمفاهيم الإسلامية . وإلّا فهي لا تعدل عنده أكثر من عفطة عننر . ثم عاد القول عليه السلام على أولئك الجماعة المتكالبة على الدنيا والتي تطمع إلى المزيد « وأنا لكم وزيراً ، خير لكم مني أميراً » . وذلك إنّي ان كنت أميراً لحيل بينكم وبين العلو والاستبداد والتطاول على حقوق المحرومين ، أمّا أن أكون وزيراً فلكم أن تشيروا عليَّ وتنتفعون بما أريكم من الحق ، دون أن أتحمل مسؤولية أعمالكم . والحق أثبت التاريخ كل ما تكهن به الإمام عليه السلام في هذه الكلمات الشريفة ، وخلافاً لما يزعمه البعض من أصحاب النظرة الضيقة فانّ الإمام عليه السلام كان عالماً بكافة الظروف والملابسات التي أحاطت بخلافته ، كما كان على علم تام بردود الفعل التي سيمارسها الخصوم ضده ، وعليه فلم يقع ما لم يكن يتحسبه الإمام عليه السلام ، إلّاأنّ الإمام عليه السلام كان ينتمي إلى مدرسة تملي عليه القيام بالمسؤولية وإحياء الدين ومفاهيمه السامية وتعاليمه الحقة وإن كلفه ذلك حياته ، على العكس من المدارس المادية التي ترى في الحكومة هدفاً وكل ما سواها وسيلة يمكن التضحية بها وقد مارس الإمام عليه السلام ما كان يقوله عملياً ، كيف لا وهو الذي اشتاط غضباً حين سأله عقيل ما لا يستحقه من بيت المال فعامله بتلك الشدة والصرامة ، ليثبت أنّه يسير في الناس بما يعلم ولايأبه بعتب العاتب كائناً من كان . لم يكن أسلوبه أسلوب من سبقه من الخلفاء قط ، وهو الذي لم يجمع لنفسه شيئاً من حطام الدنيا ، حتى خاطب الامّة قائلًا : « دخلت بلادكم با شمالي هذه ورحلتي ، وراحلتي ، ها هي فان أنا خرجت من بلادكم بغير ما دخلت فإنني من الخائنين » ، « 2 » والعجيب أنّ الإمام عليه السلام قد سلك سبيلًا يتناقض تماماً وما

--> ( 1 ) سورة الحديد / 25 . ( 2 ) بحارالانوار 40 / 325 .